أول كلية لهندسة الذكاء الاصطناعي في سوريَة.. مبادرة رائدة وواعدة

في خطوة أكاديمية تُعدّ مفصلية في مسار التعليم العالي والتقني في سوريَة، برزت كلية هندسة الذكاء الاصطناعي في الجامعة السورية الخاصة كأول كلية مستقلة ومتخصصة بهذا المجال على مستوى الجامعات السورية، الخاصة والحكومية على حد سواء.
وهذا الحدث لم يكن وليد اللحظة، بل جاء نتيجة سنوات من التخطيط والعمل، وارتبط باسم أكاديمي وخبير مخضرم يُعد من روّاد المعلوماتية في سورية، هو الأستاذ الدكتور مهيب النقري، عميد الكلية وأحد أبرز الأصوات العلمية في مجالات هندسة البرمجيات وعلوم البيانات والذكاء الاصطناعي.
ريادة مبكرة في المعلوماتية ومسار أكاديمي دولي
يُعدّ الدكتور مهيب النقري من أوائل المتخصصين في علم المعلوماتية في سوريَة، إذ تخرّج من المعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا (HIAST) في العام 1989، ضمن الدفعات الأولى التي أسست لهذا التخصص في مرحلة لم يكن فيها علم الحاسوب قد انتشر بعد، لا أكاديميًا ولا مهنيًا، كما هو الحال اليوم.
وقد شكّلت تلك المرحلة حجر الأساس لمسيرة علمية طويلة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، تداخل فيها العمل الأكاديمي مع الخبرة التطبيقية والمشاريع الوطنية والدولية.
وتابع الدكتور النقري دراسته العليا في فرنسا، حيث حصل على درجة الماجستير من جامعة مونبلييه، ثم نال درجة الدكتوراه سنة 2010.
وتركّز اهتمامه العلمي والبحثي على هندسة البرمجيات، وتحليل البيانات، وذكاء الأعمال، وهي مجالات كانت تُعد حديثة نسبيًا حتى في الجامعات الأوروبية في ذلك الوقت، مما يعكس رؤيته الاستشرافية المبكرة للتقانات المستقبلية.

خبرة مهنية ومشاريع وطنية مؤثرة
إلى جانب مسيرته الأكاديمية، امتلك الدكتور مهيب النقري تجربة مهنية غنية، إذ عمل مع عدد من الشركات العالمية، منها شركة أميريكية متخصصة في ذكاء الأعمال وتحليل البيانات، وكان من أوائل من نقلوا هذه المفاهيم إلى السوق السورية قبل عام 2011، في وقت كانت فيه هذه المصطلحات شبه غائبة عن البيئة التقنية المحلية.
ومن أبرز المحطات في مسيرته المهنية، تولّيه بين عامي 2008 و2011 إدارة مشروع تطوير صناعة البرمجيات في سورية، وهو مشروع إستراتيجي نُفّذ بالتعاون مع وزارة الاتصالات في مصر، وهدف إلى تأهيل شركات البرمجيات السورية للحصول على اعتماد CMMI العالمي (Capability Maturity Model Integration).
وقد أثمر ذلك المشروع إنجازًا غير مسبوق آنذاك، إذ نجحت أربع شركات سورية في عام 2012 بالحصول على اعتماد CMMI المستوى الثالث، في سابقة على مستوى البلاد.
تجربة تدريس واسعة محليًا ودوليًا
على الصعيد الأكاديمي، راكم الدكتور النقري خبرة طويلة في التدريس الجامعي، شملت مؤسسات تعليمية مرموقة داخل سوريَة وخارجها. فقد درّس في المعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا، وفي جامعة مونبلييه خلال مرحلة الدراسات العليا، ثم في جامعة العين بدولة الإمارات العربية المتحدة، إضافة إلى عدد من الجامعات السورية، منها الجامعة العربية الدولية وكلية الهندسة المعلوماتية في جامعة دمشق.
ومنذ عام 2017، يعمل عضو هيئة تدريس في الجامعة السورية الخاصة، إذ شغل منصب عميد كلية هندسة المعلوماتية، قبل أن يتولى لاحقًا عمادة كلية هندسة الذكاء الاصطناعي. كما يرأس الدكتور النقري اللجنة الوطنية العلمية للأولمبياد السوري للروبوت، ويشارك بفاعلية في العديد من الجمعيات والهيئات العلمية، أبرزها الجمعية السورية للمعلوماتية.
أول كلية من نوعها في سوريَة
يؤكد الدكتور مهيب النقري في حديثه إلى موقع “البوابة التقنية” أن إطلاق كلية هندسة الذكاء الاصطناعي في الجامعة السورية الخاصة شكّل حدثًا بارزًا في المشهد الأكاديمي السوري، لكونها أول كلية قائمة بذاتها متخصصة في هذا المجال، وليست مجرد قسم أو فرع ضمن كلية هندسة المعلوماتية، كما هو الحال في معظم الجامعات الأخرى.
ويضيف أن هذا القرار جاء انطلاقًا من إيمان عميق بالأهمية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، الذي بات حاضرًا في مختلف القطاعات المهنية، من الطب والصيدلة، إلى العلوم الإدارية والهندسية بمختلف اختصاصاتها.
وقد شهدت الكلية منذ انطلاقها إقبالًا كبيرًا، إذ استوعبت أكثر من 400 طالب ضمن تخصصات متعددة، في تجربة تُعد رائدة ليس فقط على مستوى سوريَة، بل على مستوى المنطقة، على الرغم من حداثة عهدها.
تحديات القبول وبناء الطالب الجامعي
لا يُخفي الدكتور النقري التحديات التي تواجه الكلية، وعلى رأسها آلية القبول المعتمدة حاليًا، والمتمثلة بالمفاضلة المركزية التي تجريها وزارة التعليم العالي، إذ يرى أن هذه الآلية لا تتوافق مع معايير القبول في الجامعات العالمية، إذ يصل بعض الطلاب إلى الكلية وهم يفتقرون إلى أساسيات البرمجة، أو يمتلكون مستوى متواضعًا في الرياضيات واللغة الإنجليزية.
ويشير النقري إلى أن المعدل المرتفع في الشهادة الثانوية لا يكفي وحده للحكم على جاهزية الطالب لدراسة الذكاء الاصطناعي، معربًا عن أمله في اعتماد امتحانات قبول نوعية مستقبلًا، تتيح اختيار الطلاب الأكثر ملاءمة لهذا التخصص الدقيق.
مهارات أساسية لطلاب الذكاء الاصطناعي
وفي حديثه عن المهارات التي ينبغي للطالب التركيز عليها، يشدد الدكتور النقري على ضرورة إتقان أساسيات البرمجة والخوارزميات، إلى جانب امتلاك مستوى جيد جدًا في اللغة الإنجليزية، لكونها لغة المراجع العلمية والأبحاث الحديثة.
كما يؤكد أهمية الرياضيات، والتحليل، والإحصاء، بوصفها الركيزة النظرية التي يقوم عليها علم البيانات والذكاء الاصطناعي.
مناهج مرنة وبنية تحتية متطورة
يوضح الدكتور النقري أن الكلية بدأت منذ انطلاقها بتجهيز البنية التحتية اللازمة، ومن ضمنها مخابر الذكاء الاصطناعي والمخابر التخصصية في الأمن السيبراني.
وأما على صعيد المناهج، فقد جرى تصميمها بعناية لمواكبة التطور السريع واليومي في هذا المجال، ففي السنوات الثلاث الأولى، يدرس الطلاب المقررات الأساسية، مثل الخوارزميات، والتعلم العميق، ومبادئ الذكاء الاصطناعي المتقدم، والتقانات الإحصائية المرتبطة بعلوم البيانات.
أما في سنوات التخصص، فتُطرح مقررات متقدمة في الذكاء الاصطناعي التوليدي، والحوسبة العالية الأداء، ووكلاء الذكاء الاصطناعي، مع اعتماد مواد مرنة تُحدّث باستمرار وفق آخر المستجدات العالمية.
تخصصات مستقبلية وفرص واعدة
تضم الكلية مجموعة من التخصصات التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالذكاء الاصطناعي، من أبرزها هندسة البرمجيات، ونظم المعلومات الذكية، والهندسة الطبية الذكية، والأمن السيبراني، والاتصالات المرتبطة بالأجيال الحديثة مثل الجيل الخامس والسادس.
ويؤكد الدكتور النقري في حديثه إلى موقع “البوابة التقنية” أن أي فرع من فروع المعلوماتية بات اليوم يعتمد بنحو مباشر أو غير مباشر على تقانات الذكاء الاصطناعي.
خريجون في مواقع متقدمة
يعرب الدكتور النقري عن فخره بخريجي الكلية، مشيرًا إلى أنه قبل تأسيس كلية الذكاء الاصطناعي، كانت الجامعة السورية الخاصة سبّاقة في إطلاق تخصص علوم البيانات، وهو الأول من نوعه في سوريَة. وقد تخرّجت أول دفعة منه العام الماضي، ويعمل خريجوها اليوم في مراكز تقنية حساسة داخل الدولة، ومع شركات أجنبية مرموقة، فيما اختار بعضهم متابعة دراساته العليا.
كما أعلن أن الجامعة ستخرّج قريبًا أول دفعة من مهندسي الأمن السيبراني على مستوى سوريَة، في خطوة تسهم في سد فجوة حقيقية في سوق العمل.
مشاريع تخرج وبحوث عالمية
تولي الكلية مشاريع التخرج في السنتين الرابعة والخامسة اهتمامًا خاصًا، إذ تبذل الهيئة التدريسية جهودًا كبيرة لمساعدة الطلاب على إنجاز مشاريع ذات قيمة تطبيقية أو بحثية، قابلة للتحويل إلى أبحاث منشورة في مجلات علمية عالمية محكّمة.
وينوه الدكتور النقري بأن هذا النهج يمنح الطالب خبرة حقيقية، ويشكل رصيدًا علميًا مهمًا لمن يطمح إلى متابعة الدراسات العليا.
شراكات دولية ورؤية مستقبلية
من موقعه عميدًا لكلية هندسة الذكاء الاصطناعي، يعمل الدكتور النقري على تعزيز التعاون مع مراكز الأبحاث والجامعات العالمية، وقد نجح بالفعل في إشراك طلاب الكلية في أبحاث مشتركة مع جامعات ومراكز بحثية في دول عدة، منها كندا، وأستراليا، وتونس، وفرنسا.
كما يستعد طلاب الكلية للمشاركة في أحد أكبر المؤتمرات العالمية لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، والذي تنظمه جامعة زايد للذكاء الاصطناعي في دولة الإمارات العربية المتحدة.
ويختم الدكتور مهيب النقري حديثه بتأكيد أن هذه التجربة تمثل نموذجًا يمكن تعميمه على اختصاصات أخرى، مثل الأمن السيبراني وعلوم البيانات والاتصالات المتقدمة، بما يسهم في تخريج كوادر تقنية سورية قادرة على المنافسة إقليميًا وعالميًا، ووضع سوريَة مجددًا على خريطة الابتكار والمعرفة في عصر الذكاء الاصطناعي.



