فيسبوك يوفر بياناته للعلماء من أجل محاربة التضليل الإعلامي

تتابع منصة التواصل الإجتماعي فيسبوك عن كثب المعلومات المضللة في الفترة التي تسبق انتخابات عام 2018، ووفقًا للفريق العامل داخل الشركة المتخصص في مكافحة الأخبار المزورة، فإن تلك الانتخابات تشمل على سبيل المثال لا الحصر انتخابات تركيا في شهر يونيو/حزيران، وانتخابات المكسيك في شهر يوليو/تموز، وانتخابات رواندا في شهر سبتمبر/ايلول، وانتخابات البرازيل في شهر أكتوبر/تشرين الاول، وانتخابات الولايات المتحدة في شهر نوفمبر/تشرين الثاني.

وكانت المنصة قد أعلنت في الشهر الماضي، بالتعاون مع مجلس أبحاث العلوم الاجتماعية غير الربحي SSRC، عن مبادرة جديدة تربط بين الباحثين المستقلين وبين البيانات الهائلة المتعلقة بالسلوك البشري الموجودة لدى فيسبوك، والهدف من ذلك يكمن في التحقق من تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الانتخابات والديمقراطية.

وتعد هذه المبادرة مهمة لأسباب عديدة، ولكن الأهمية الكبرى تكمن في السماح للباحثين، ولأول مرة، بالوصول إلى بيانات فيسبوك ونشر نتائج من تلك البيانات دون موافقة مسبقة من الشركة، وهذا يعني أنه إذا اكتشف العلماء شيئًا في بيانات الشبكة الاجتماعية يجعل الأمر يبدو سيئًا، فلن يتمكن فيسبوك من منعهم من جعل هذه المعلومات عامة.

وامتنعت منصة فيسبوك ومجلس أبحاث العلوم الاجتماعية عن توفير معلومات إضافية حول المبادرة، التي لم يتم تسميتها بعد، وبعد مرور قرابة شهرين، لا تزال المبادرة لا تحمل أي اسم رسمي، لكن بعض التفاصيل بدأت تظهر، بما في ذلك كيف ستحمي المبادرة بيانات مستخدمي فيسبوك من نوع إساءة الاستخدام التي أدت إلى خضوع مارك زوكربيرج لجلسات استماع في الكونغرس الأمريكي خلال الشهر الماضي.

ويقول غاري كنغ Gary King، أستاذ العلوم السياسية ومدير معهد العلوم الاجتماعية الكمية في جامعه هارفارد: “سوف تساعد منصة فيسبوك على توفير أجهزة حاسب محمولة مشفرة”، بحيث يشير إلى هذه الحواسيب على أنها بمثابة غرف افتراضية نظيفة، مع توفير فيسبوك للباحثين إمكانية الوصول عن بعد إلى البنية التحتية للمنصة.

وأضاف “هذه الحواسيب المحمولة ليست مثل الحواسيب المستخدمة لإرسال رسائل شخصية، وليس هذا الغرض منها، بل الغرض يكمن في توفير مستوى من الأمن مماثل لما تجده في الغرف المغلقة ضمن مقر الشركة في مينلو بارك Menlo Park، وذلك لتجنب حدوث فضيحة أخرى مماثلة لما حصل مع شركة كامبريدج أناليتيكا Cambridge Analytica”.

وعمل غاري كينغ جنبًا إلى جنب مع الباحث القانوني في جامعة ستانفورد ناثانيل برسلي Nathaniel Persily على تطوير نموذج الشراكة الصناعية والأكاديمية الذي سوف تستخدمه منصة فيسبوك لتبادل بياناتها، بحيث أن بعض التحليلات تحدث في الوقت الفعلي من خلال البرامج النصية المؤتمتة، كما سوف يتم إجراء اختبارات أخرى من قبل خبراء مدربين على فك رموز ملفات السجلات، سجل النشاط، على كل جهاز حاسب محمول، بما في ذلك المعلومات المطلوبة ومن طلبها وماذا فعلوا بها.

ويسمح للباحثين بالوصول إلى البيانات المتعلقة بأبحاثهم المقترحة، على أن يتم الاتفاق في وقت مبكر على الفرضيات التي يختبرونها والبيانات التي يحتاجون إليها لاختبارها، وعلى عكس البيانات المستخدمة من قبل شركة كامبريدج أناليتيكا، فإن البيانات المتاحة من خلال المبادرة تحمي خصوصية الأفراد، بحيث لن يتم تخزين أي بيانات على الحواسيب المحمولة، ويحتاج الباحثون إلى الإذن قبل إزالة أي بيانات من الجهاز، وفي حال أراد فريق من العلماء التحقيق من سؤال مختلف أو الوصول إلى بيانات أخرى، فسوف يلزمه تقديم اقتراح منفصل للنظر فيه.

ويقول غاري كينغ إن فيسبوك، وبالرغم من أنها سوف توفر أجهزة الحاسب المحمول، لكنها لن تراقب كيفية استخدام الباحثون لهذه الاجهزة، وبدلاً من ذلك، سوف تشرف على المراجعة لجنة من الخبراء المستقلين، الذين لن يتم توظيفهم من قبل فيسبوك، بل من قبل غاري كينغ وناثانيل برسلي، بحيث تنحصر مهمة الخبراء المستقلين في مساعدة الباحثين على ضمان تشغيل كل شيء بشكل صحيح.

وتعمل اللجنة على تحديد أولويات البحث الذي تعتقد أنه سوف يلقي الضوء الأكبر على التأثير السياسي لفيسبوك، بحيث تشمل المجالات المقترحة المعلومات المضللة والمحتوى المستقطب والتدخل الأجنبي في الانتخابات المحلية، وتقوم اللجنة بعد ذلك بطلب مقترحات بحث مفصلة من المجتمع الأكاديمي، والتي يتم تقييمها من قبل مجموعة من المراجعين النظراء المعينين من قبل SSRC.

ويجري تمويل المبادرة من قبل مجموعة متنوعة من المؤسسات غير الربحية، بما في ذلك مؤسسة تشارلز كوخ Charles Koch، الشهيرة بتأييدها للحرية، إلى مؤسسة جيمس ل. نايت James L. Knight، وهي منظمة تشتهر بدعمها للصحافة، على أن يتم تقييم المشاريع بشكل مستقل عن فيسبوك، وذلك لمنع الشركة من اختيار البرامج التي تريدها وإخفاء المقترحات التي لا تريدها.

وأوضح غاري أن النموذج التي قام بتطويره مصمم للحد من إمكانية حدوث ما حدث عندما قام عالم النفس بجامعة كامبريدج أليكساندر كوغان Aleksandr Kogan بالوصول إلى بيانات مستخدمي فيسبوك تحت ذريعة البحث الأكاديمي وإيصالها إلى كامبريدج أناليتيكا، مما كشف عن كيف يمكن اختراق خصوصية عشرات الملايين من مستخدمي فيسبوك من قبل أحد المدعين للبحث العلمي.