القصة الكاملة .. كيف استهدفت حملة الدعاية الروسية على فيسبوك الأمريكيين وأحدثت انقسامًا قبل انتخابات 2016

هل أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي سلاحًا سريًا يصيب الهدف دون أن يُكتشف؟ وهل أصبحت نظامًا يتيح إطلاق حملات الدعاية السياسية دون الإعلان عن ممولها ومصدرها؟ وما هي تلك المجموعات التي تشترك في مثل هذه الحملات؟ وكيف استهدفت الشعب الأمريكي في انتخابات 2016؟

أثارت هذه الأسئلة وغيرها من الموضوعات محل الجدل ورقة بحثية طرحتها الباحثة ” يونج مي كيم” أستاذة الصحافة بجامعة ويسكونسون ماديسون بالولايات المتحدة في بحثها الجديد. والذي انقسم إلى دراستين حاولت الأولى تناول السؤال “من وراء حملات الدعاية السياسية المثيرة للموضوعات الخلافية في الانتخابات الأمريكية الأخيرة على منصة فيسبوك؟” وتتناول الدراسة الثانية “من هو المستهدف من هذه الحملات الخلافية التي أحدثت الانقسام؟”

بدأت الباحثة يونج مي كيم بدراسة حملة الدعاية السياسية في فيسبوك في أغسطس 2016-في الفترة التي كانت تحظى فيها هيلاري كلينتون بشعبية أعلى من منافسها- ولم يكن أحد قد سمع عن مجموعة الدعاية الروسية التي تحمل اسم Internet Research Agency “وكالة أبحاث الإنترنت” IRA ويُشار إليها في العامية الروسية على الإنترنت باسم “المتصيدون” “وهي شركة روسية تقوم بأعمال سرية عبر الإنترنت لخدمة المصالح الروسية”. بل ربما لم تكن منصة فيسبوك نفسها في ذلك الوقت على علم بتلاعب تلك الوكالة بمستخدمي المنصة للتأثير على الانتخابات وإطلاق حملة الدعاية الروسية. وكان هدف كيم آنذاك هو تسجيل كيفية قيام “مجموعات المال المظلم” بتوجيه الدعاية الانتخابية عبر الإنترنت. “والمال المظلم في الولايات المتحدة هي تلك الأموال الضخمة التي تحصل عليها جهات غير ربحية كالجمعيات والاتحادات والمؤسسات والتي تتلقى تبرعات بمبالغ غير محدودة من الشركات والأفراد والاتحادات وتنفق هذه الأموال على التأثير على الانتخابات دون الكشف عن المتبرعين الحقيقيين لها”. وكانت كيم ترى أن تلك الدعاية تنظمها القوانين بشكل أفضل في حالة حملات الدعاية التي تظهر على التليفزيون. ولم تكن تعرف حينها أنها تمشي نحو مسرح الجريمة.

وخلال العام ونصف الماضيين، تغير تمامًا هدف أعمال كيم وتركيزها نتيجة الاكتشافات المتتالية حول حملة المتصيدون الروس الدعائية للتأثير على الانتخابات على الفيسبوك. وخلال دراستها لستة أسابيع في عام 2016، استطاعت أن تجمع أدلة على كيفية سعي وكالة أبحاث الإنترنت الروسية ومجموعات أخرى مثيرة للشكوك إلى تقسيم جمهور الناخبين في الأيام السابقة للانتخابات.

وتنشر الآن كيم تفاصيل اكتشافاتها في ورقة بحثية منشورة بمجلة بوليتيكال كميونيكيشن Political Communication.

لم يستطع الباحثون العثور على أي أثر، في السجلات الفيدرالية أو عبر الإنترنت، لنصف هذه المجموعات البالغ عددها 228 والتي تتبعتها كيم والتي قامت بشراء إعلانات فيسبوك مدفوعة تناولت المشكلات السياسية محل الخلاف في الشعب الأمريكي في فترة هذه الأسابيع الستة. وطبقًا لقائمة الحسابات التي قدمتها الفيسبوك إلى الكونجرس الأمريكي، ثبُت ارتباط سُدس المُعلنين “المثيرين للشكوك” بوكالة أبحاث الإنترنت الروسية. والأكثر من ذلك أن هؤلاء المعلنين المريبين استهدفوا بشكل رئيسي الناخبين في الولايات المتأرجحة مثل ويسكونسون وبينسلفانيا. والولايات المتأرجحة هي تلك الولايات ذات الميول المتذبذبة في الانتخابات الأمريكية ولا يعرف الجميع من ستنتخب الجمهوريين أم الديموقراطيين.

أعربت كيم عن دهشتها قائلة: “توقعت إلى حد ما تأثير مجموعات المال المظلم وغيرها من الجهات ذات التأثير وغير المعروفة على المنصات الرقمية، لكن المدى الذي وصل إليه إجراؤها للحملات كان أسوأ كثيرًا مما توقعت”.

المجموعات المثيرة للشكوك

حتى تتمكن من إجراء بحثها، طلبت كيم من المتطوعين تثبيت تطبيق خاص بتتبع الإعلانات على أجهزة الكمبيوتر. ووصفت كيم التطبيق بأنه مشابه لبرامج إغلاق الإعلانات، فيما عدا أنه يرسل الإعلان إلى خوادم فريق البحث بدلاً من إغلاقها. وشكلت كيم مجموعة المتطوعين بنسب تحاكي جمهور المصوتين بوجه عام في الولايات المتحدة من حيث تقسيماتهم الديموغرافية والفكرية والجغرافية. وانتهت إلى تكوين مجموعة من 9519 فرد، شاهدوا 5 مليون إعلان مدفوع على الفيسبوك يتعلق بالقضايا الانتخابية بين 28 سبتمبر و8 نوفمبر من عام 2016.

وأخذت كيم عينة عشوائية تتكون من 50 ألف إعلان من هذه المجموعة الكبيرة من الإعلانات، وأجرت بحوثها على أي إعلان يمس أحد الموضوعات السياسية الحساسة التالية والتي كانت محلاً للجدل والانقسام قبل الانتخابات: الإجهاض ومشكلات الشواذ والسلاح والمهاجرين والقومية والعرقية والإرهاب وفضائح المرشحين (كفضية خادم البريد الإلكتروني الخاص بهيلاري كلينتون أو فضيحة تسريب شريط تسجيل لحديث بين ترامب ومستضيفه التليفزيوني بأحد الأتوبيسات والذي تحدث فيه عن المرأة بصورة مهينة). وبعد تجنيب الدعاية التي أطلقها المرشحان أو لجان العمل السياسي التابعة لهم Super PACs “وهي المنظمات التي تدعم أحد المرشحين وتجمع التبرعات له ولا يتم إدراجها في التقرير الذي يقدمه كل مرشح حول التبرعات التي تلقتها حملته”، وجد الباحثون أنفسهم أمام 228 مجموعة فردية. فعادت كيم للمجموعة الرئيسية المكونة من 5 مليون إعلان يختص كل منها بتلك القضايا لتبحث عن كل الإعلانات المرتبطة بتلك المجموعات.

بوجه عام، عرضت المجموعات التي لم تقدم تقريرًا للجنة الانتخابات الفيدرالية أربعة أضعاف الإعلانات التي عرضتها المجموعات التي قدمت تقارير.

جدير بالذكر أن مفوضية الانتخابات الفيدرالية لم تستطع حتى الآن فرض قواعد حول الكشف عن نشر الدعاية السياسية عبر الإنترنت ولم يتم التصويت على ضرورة فرض متطلبات للكشف عنها إلا مؤخرًا. وسمح ذلك بانتشار الدعاية السياسية الرقمية وبما في ذلك تلك الدعاية التي تقف وراءها وكالة أبحاث الإنترنت الروسية.

وكشف بحث كيم عن أن تلك الدعاية التي لا تخضع لقوانين تنظيمية قد شكلت أغلبية حملة الدعاية على فيسبوك التي تحدثت عن قضايا انتخابية خلافية على الفيسبوك خلال إجرائها للدراسة.

أخذت كيم على عاتقها التفرقة بين نوعين من المجموعات التي لم تقدم تقارير للجنة الانتخابات وهما مجموعات الأموال المظلمة وبين ما اسمته كيم بالمجموعات المثيرة للشكوك. ولاحظت كيم أن هذه المجموعات المثيرة للشكوك كان لها صفحات على الفيسبوك أو صفحات أخرى تم إيقافها أو لم تعد نشطة منذ يوم الانتخابات. كما أن هذه المجموعات لم يكن لها من قبل أثر يُذكر على الإنترنت كما أنها لم تقدم بيانات ضريبية لدى هيئة الإيرادات الداخلية الأمريكية IRS “والمختصة بتسجيل الدخل وتحصيل الضرائب”. وتقول: “بعض المجموعات لم نتمكن ابدًا من تتبعهم ومعرفة من هم”.

يُذكر أن القوانين الأمريكية لا تجبر الجهات المقدمة للأموال المظلمة على الإفصاح عن المتبرعين إلا أنها يجب أن تقدم تقريرًا للضرائب.

حتمية ضلوع وكالة أبحاث الإنترنت في المشهد

ومن بين 228 مجموعة تروج لدعاية سياسية في القضايا الخلافية، صنَّفت كيم 122 مجموعة على إنها مثيرة للشكوك. واستفادت كيم من كشف لجنة الاستخبارات في مجلس النواب في نوفمبر من عام 2017 عن تحويل الفيسبوك لبعض الدعاية التي أطلقتها وكالة أبحاث الإنترنت الروسية إلى اللجنة. فقارنت كيم القائمة التي أطلقتها اللجنة بالقائمة الخاصة بها، ولاحظت وجود ارتباط بين مجموعة من المعلنين -من بين كل ست مجموعات مشتبه بها قامت هي بتتبعها- وبين وكالة أبحاث الإنترنت.

وخلال الأشهر القليلة الماضية، قالت كيم أنها عكفت على دراسة هذه الدعاية. وكان الأمر محبطًا لها. فقد وجدت إعلان واحد تتشارك فيه مجموعات متعددة من تلك المشتبه بها ويحمل النص: “في الوقت الذي يموت فيه 300 ألف شخص من المحاربين القدامى على أمل أن تنظر لحالهم مؤسسة شؤون المحاربين القدامى، تُكلفنا الرعاية الصحية للمهاجرين غير الشرعيين 1.1 بليون دولار سنويًا.”

الولايات المتأرجحة

ارتكز القسم الثاني من بحث كيم على الإجابة عن التساؤل؛ من المستهدف من تلك الدعاية التي لا تخضع لأنظمة أو قوانين –سواء كانت دعاية تمولها الأموال المظلمة أو دعاية روسية؟ وجدت كيم أن المصوتين في بنسيلفانيا وفيرجينيا وويسكونسين وهي الولايات ذات المشكلات العرقية هم الأكثر استهدافًا. كما تم استهداف المصوتين من ولاية ويسكونسين بحملة الإعلانات التي تتناول قضية قانون الترخيص باستخدام الأسلحة بنسبة تزيد 72 في المائة عن المتوسط، وتم استهداف المصوتين من ذوي البشرة البيضاء بإعلانات تتناول قضة المهاجرين بنسبة 87 في المائة من إجمالي هذا النوع من الإعلانات. “أي أن الإعلانات تمت بحسب توجهات الجمهور المستهدف”.

يُذكر أن الولايات المتأرجحة هي دائمًا المستهدفة بشكل أكبر من الحملات الانتخابية كما أنها في الغالب هي التي تحسم نتيجة الانتخابات.

وترى كيم أن أكثر ما يدعو للضيق هو أن بعض هذه المجموعات كان من الممكن إيقافها – أو حتى التوقف عن تشجيعها- فقط لو كانت هناك قوانين أكثر صرامة تخص تمويل حملات الدعاية عبر الإنترنت. على سبيل المثال، احتوت 25 في المائة من كل الدعاية على رسالة تحمل اسم ترامب أو كلينتون بشكل صريح (الأمر الذي كان من المفترض أن تحظره القوانين”. وإذا كانت تلك الدعاية قد ظهرت على شاشة التلفاز خلال تلك الفترة لكان الأمر مختلفًا فكان سينبغي على المُعلن الذي يقوم بمساندة أحد المرشحين الإفصاح عن مصدر تمويل حملته وكذلك كان سيجب عليه الكشف عن مصدر التمويل للجنة الانتخابات. أما عبر الإنترنت، فكل شيء ممكن وجائز.

وتقول كيم: “أظن أن المشكلة الكبرى هنا هي الفراغ القانوني المتمثل في عدم وجود قوانين كافية تتناول أعمال منصات التواصل الاجتماعي.”

خطوة على الطريق الصحيح

وأطلقت كيم على الخطط التي أعلن عنها الفيسبوك مؤخرًا لبدء طلبات الكشف والإفصاح حول كل الدعاية السياسية –بما فيها حملات الدعاية القائمة على قضايا محددة: “إنها خطوة على الطريق الصحيح”. إلا أنها أشارت مع ذلك إلى وجود بعض العيوب في خطط الفيسبوك. وكانت فيسبوك قد قالت أنها ستبدأ في مطالبة أصحاب إعلانات فيسبوك ذات الطابع السياسي “الدعاية السياسية” وكذلك مسؤولي الصفحات الضخمة على الفيسبوك بإثبات هوياتهم بتوفير عنوان المراسلة ونموذج لإثبات الهوية تصدره الحكومة.

لكن كيم كانت قد لاحظت أن الكثير من صفحات الفيسبوك التي تناولتها في بحثها لم تكن كبيرة على الإطلاق، بل كانت صفحات صغيرة ترتبط بصفحات أخرى صغيرة وتنشر جميعها نفس الدعاية المتشابهة في حملة الدعاية على فيسبوك. ففي أحد الحالات على سبيل المثال قامت أربع صفحات منفصلة من الصفحات الداعمة لترامب “المثيرة للشكوك” بنشر نفس الإعلان التالي: “ادعم التعديل الثاني؟ اضغط على علامة “إعجاب” لتطلب من هيلاري ألا تقترب من سلاحك” ويشير الإعلان إلى خطة هيلاري في إلغاء التعديل الثاني بالدستور الذي يمنح الحق في حمل الأسلحة الشخصية. وستُركز المرحلة التالية من أبحاث كيم حول تحليل هذه الشبكات “أي السلاسل من الصفحات الصغيرة على الفيسبوك التي ترتبط بأخرى وتنشر نفس الدعاية السياسية”.

وعلى الرغم من أن أبحاث كيم تشير إلى ضلوع وكالة أبحاث الإنترنت في الأمر، هذا إلى جانب ضعف قوانين تمويل الحملات الانتخابية بالولايات المتحدة، إلا أنها أظهرت أمرًا خطيرًا آخر. ففي الوقت الذي حملت إعلانات الوكالة روح الانقسام واشتملت على إعلانات سيئة على الفيسبوك، كانت هناك مجموعات على الفيسبوك من تلك الجهات المستخدمة للأموال المظلمة تنشر رسائل مشابهة لإعلانات الوكالة الروسية، بل وتنشر الكثير منها. وكانوا يقومون بذلك بطريقة، لا يمكن وصفها حتى الآن، سوى أنها للأسف قانونية. الأمر الذي يطرح تساؤلاً خطيرًا حول الانقسام السياسي في الولايات المتحدة؛ ما هو التهديد الأكبر؟ التدخلات الروسية أم الأمريكيين أنفسهم؟