الموازنة المالية العائق الأكبر أمام التحول الرقمي

بقلم محمد أمين، النائب الأول للرئيس لمنطقة الشرق الأوسط وتركيا وإفريقيا في “ديل إي إم سي”

مضى وقتٌ كانت الشركات المتصدرة للسوق تضمن فيه نجاحاً طويل المدى في مجالات عملها، لكن التقنية أحدثت ثورة في المعتاد، سامحةً للشركات الصغيرة بتأسيس نفسها فيما تركت الشركات الكبيرة تواجه تحدياتٍ متراكمة في محاولة منها لإيصال حلول مطورة تلبي الاحتياجات الحيوية للمستهلك العصري. وقد تسبب هذا التغير بانتشار القلق في الأسواق كما أوضحت دراسة استطلاعية أجريناها حديثاً بعنوان مؤشر التحول الرقمي، والتي كشفت عن أن 85 في المئة من الشركات ترى أن الشركات الرقمية الناشئة سوف تشكل خطراً على كياناتها، إما في الوقت الراهن أو في المستقبل. ولهذا التخوف ما يُبرره، فمرونة الشركات الصغيرة سمحت لها بالاستحواذ على قدر متزايد من الأعمال التجارية على حساب متصدري السوق الذين يعملون بصعوبة لتطبيق التقنيات الحديثة.

وأوضحت الدراسة الاستطلاعية أن قادة تقنية المعلومات يُبدون تقديراً كاملاً لأهمية تأسيس استراتيجية رقمية قوية والتحول إلى تقنيات جديدة لتحسين الانتاجية والكفاءة. لكن من الواضح أيضاً أن الكثير منهم، خصوصاً في الشركات الكبيرة، لا يعملون بجدّ لإحداث التحول الرقمي المنشود. فقد أكّد حوالي ثلاثة أرباع المشاركين في الاستطلاع أن من الممكن فعل المزيد للمضي قدماً في طريق التحول، في حين أن ثلث المستطلعة آراؤهم أظهروا التزاماً بتطبيق السمات الرقمية الأساسية لهذا التحول في شركاتهم. وبالرغم من أن هناك عدة أسباب تبدو كامنة وراء ذلك، فقد عزا ثلث المشاركين مشاكلهم إلى عدم توفّر الموازنات والموارد اللازمة عندما طرحنا عليهم السؤال عن سبب تأخّرهم في إحداث التحوّل الرقمي. 

التحدي المالي

صحيحٌ أن التكاليف المرتبطة بالتقنية قد قلّت، وأن الحصول عليها في قطاع الشركات بات أسهل من أي وقت مضى، لكن من المهم التطلع إلى الحجم عند النظر إلى معدلات التبني في الشركات لإدراك سبب التغير الحاصل في الأسواق. من الواضح أن المؤسسات الكبيرة مثل البنوك وشركات التأمين والجهات الحكومية وشركات التجزئة والتي عادةً ما استفادت من حجمها وتأثيرها الكبيرين، أصبحت تواجه صعوبات مع تقادم أجهزتها وأنظمتها التقنية. وعادة ما تكون تكاليف تحديث التقنيات القائمة عاليةً جداً، لدرجة أنها تمنع الشركات من تطوير كل أنظمتها الحالية ضمن عمليةٍ واحدة، ما يؤدي إلى مشاريع تطوير صغيرة ومتقطعة تفشل في تحقيق التأثير الدائم المطلوب.

لقد تمكنت الشركات الصغيرة، التي انصبّ تركيزها منذ نشأتها على الرقمنة وخفض التكاليف التشغيلية، من الانطلاق بنجاح نحو السوق مدعومة بأحدث حلول البرامج والمعدات، بينما تستمر الشركات الكبيرة بمحاولة تطوير بنيتها التحتية الأصلية للحاق بركِب التقنيات الحديثة. وقد ساهم التوجه المتنامي المتمثل في “تقديم التقنية كخدمة” في أوساط مجتمع الشركات الناشئة، بإحداث جزء كبير من التغيير الحالي في السوق، سامحاً لمالكي الشركات الصغيرة والمتوسطة بتقليل تكاليف البنية التحتية الأولية التي كانت تمنع شركاتهم في الماضي من أن تكون نداً منافساً للشركات الرائدة في السوق.

وبصرف النظر عن التكلفة، بات من الواضح أن الشركات الكبيرة يجب أن تغيّر رأيها فيما يتعلق بالاستثمار في التقنية، مع وجود الكثير من التبريرات التي تتيح لها تدبير المال الضروري لذلك الاستثمار. إن تهديد المنافسين الجدد يتزايد بسرعة، وحسب البيانات التي أوردتها الدراسة الاستطلاعية، تخشى 45 بالمئة من الشركات حول العالم أن تصبح، خلال فترة تتراوح بين ثلاث سنوات وخمس، خارج نطاق المنافسة جرّاء قدم أنظمتها، الأمر الذي يشير إلى أهمية الارتقاء بتقنية المعلومات من مركز تكاليف إلى مركز تمكين للشركات، بل أن تصبح ميزة تنافسية فريدة من نوعها في السوق.

المأزق

بالرغم من أن البعض قد يصف الموازنات المنخفضة عائقاً أمام الاستثمار في التقنيات الجديدة، كشف استطلاعنا عن أن أغلب الشركات ليست في ضائقة مالية، كما أظهر أن 4 بالمئة فقط من الشركات العديدة التي استُطلعت آراؤها في دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية قادرة على العمل رقمياً، إذن فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا لا نجد توسعاً في الاستثمار بتقنية المعلومات؟

لكننا نجد البيانات نفسها تعطينا تفسيراً لذلك! 30 بالمئة من المشاركين فقط نسبوا الفضل في أية أعمال تدفع عجلة التحول الرقمي إلى مجالس الإدارة، ما يشير إلى افتقار قادة الشركات أنفسهم للالتزام. إلاّ أن هذا ليس بالأمر المفاجئ؛ فمن المعروف أن المديرين التنفيذيين عادةً ما يقاومون أية نفقات كبيرة ممكن أن تمسّ بالأرباح، خصوصاً حول الأصول التي ينظر إليها كسبب لزيادة التكاليف عوضاً عن كونها مولّدات للدخل. ولا يمكن لقادة الأعمال في سوق اليوم أن يواصلوا التفكير بالطريقة نفسها، بل إن عليهم البحث عن طرقٍ أكثر كفاءة لتطوير البنى التحتية وتحسين قدرات الشركة.

التمويل الذكي

تتمكن الشركات من خلال تطبيق أنماط استهلاك مرنة من تسريع تحويل بنية تقنية المعلومات التحتية الخاصة بها لتشتمل على قدرات حديثة وتمكّن من الوصول إلى مستوى جديد من الأداء في الشركة من دون تكلفة أولية باهظة. عادةً ما تتيح هذه الحلول فترات تجريبية وخيارات للتوسع أو التقليص من أجل منح صانعي القرار وقادة التقنية ثقة أكبر أثناء بحثهم في الحصول على تقنيات جديدة ومبتكرة.

ومع أن الشركات الصغيرة تملك أفضلية انخفاض التكاليف التشغيلية وارتفاع المرونة مقارنة بالشركات الكبيرة، فالأمر متروك للشركاء في المجالات التقنية للمساعدة في توعية مجتمع الشركات ومساعدتها على اختيار الحل الأنسب. وهنا نجد، وفقاً لبيانات الاستطلاع، أن ثمّة الكثير للقيام به من أجل التأكد من أن المديرين التنفيذيين يتجهون نحو الخيارات الصحيحة فيما يتعلق بالاستثمار في التقنية. ولتحقيق هذه الغاية، نرى أن من المهم للشركاء المؤثرين العمل مع قادة تقنية المعلومات لتقديم رسالة قوية تترك صدىّ أوضح لدى صانعي القرار.

التغلب على عائق الموازنة

لطالما أكّدنا أن الشركات الراسخة في السوق من جميع الأحجام والأنواع لديها مخاوف حقيقية بشأن المنافسة من الشركات الرقمية الناشئة الأصغر حجماً والمتسمة بالمرونة، لكن الأدلة تشير إلى أن الكثير منها يعيق فرص النجاح بتأخير عملية التحول الرقمي. ومن الممكن للشركات أن تستفيد من كل المزايا المتاحة في التقنيات المبتكرة بتكاليف أولية أقل، وفرص للتوسع أو التقلص حسب الحاجة، وذلك باتباع أنماط استهلاك مرنة، واللجوء إلى استخدام حلول تقديم التقنية كخدمة.

لكن من الواضح أن هناك عائقاً ما زال قائماً في ذهنية أصحاب القرارات المالية وينبغي إزالته، كما أن من الضروري أن تزال العوائق بين المديرين التنفيذيين والإدارات الأخرى في الشركة بشكل عام من أجل إحراز التقدم والتأقلم، لتلبية احتياجات المستقبل.

إننا نأمل من خلال إظهار مزايا الاستراتيجيات والبنى التحتية الرقمية الحديثة أمام قادة الشركات، أن نتمكن من مساعدة الشركات حول العالم في إحداث التحوّل المنشود في خدماتهم إلى الأحسن، لخدمة الزبائن بشكل أفضل ورفع الأداء في السوق.